الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
16
نفحات القرآن
و « الأغلال » جمع « غل » وهي مشتقّة في الأصل من مادّة « غَلَلْ » المأخوذة من النفوذ التدريجي للأشياء كنفوذ الماء الجاري وسط الأشجار ، ونظراً لكون « الغل » هي تلك الحلقة التي تحيط بالرقبة أو بها مع اليد والرجل مجتمعة فقد سمّيت « غلًا » وأحياناً يطلق عليها « الجامعة » لنفس ذلك الغرض أيضاً . وأكثر ما استعمل القرآن الكريم هذه المفردة للتعبير عن « طوق العنق » ولذا قالوا : هي الأغلال التي في أعناق الكفّار . على أيّة حال ، فقد وردت هنا كناية عن أغلال الأسر ، والغريب إنّ الكثير من المفسّرين قد اعتبر « الإصر » و « الأغلال » إشارة إلى التكاليف الشاقّة التي فرضها اللَّه تعالى على اليهود ، وإنّ نبي الإسلام صلى الله عليه وآله قد رفعها بشريعته السهلة السمحاء في حين أنّه لا يوجد أي دليل على هذا التقييد والتخصيص ، إذ إنّ للآية مفهوم أوسع حيث شملت كافة أنواع الأثقال المعنوية وقيود الأسر : قيود عبادة الأوثان والخرافات والعادات والتقاليد الخاطئة . قيود الجهل والضياع . قيود أنواع التفرقة والحياة الطبقية . قيود القوانين الخاطئة . وقيود الأسر والاستبداد في مخالب الطواغيت . لقد أعاد نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسائر الأنبياء عليهم السلام الحرية الحقيقية إلى الإنسان وذلك برفعهم لهذه الأثقال وفكّهم لتلك القيود والأغلال عنه ، فقد منحوه حريّة التفكير والتعبير عن الرأي والتأمّل والتحرّر من عبودية أهواء النفس ، التحرّر من قبضة الحكّام الظالمين والتحرّر من شباك الشياطين والطواغيت والتحرّر من سيطرة الخرافات والأوهام وعبادة غير اللَّه تعالى . ومن المسلّم أنّ عدم ارتياح الطواغيت لتحرّر الآخرين هو لرغبتهم في تسخيرهم لتحقيق أغراضهم الشخصية ، ولا زالت - في عصرنا الحاضر الذي ينطلق فيه شعار حريّة